مجمع البحوث الاسلامية

890

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ابن كثير : يقول تعالى ذامّا لليهود ، الّذين أعطوا التّوراة وحمّلوها للعمل بها ثمّ لم يعملوا بها ، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها ، فهو يحملها حملا حسّيّا لا يدري ما عليه ، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الّذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يتفهّموه ولا عملوا بمقتضاه بل أوّلوه وحرّفوه وبدّلوه ، فهم أسوأ حالا من الحمير ، لأنّ الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الأعراف : 179 . ( 7 : 8 ) البروسويّ : الكاف فيه زائدة ، كما في « الكواشي » . والحمار : حيوان معروف يعبّر به عن الجاهل ، كقولهم : هو أكفر من الحمير ، أي أجهل ، لأنّ الكفر من الجهالة ، فالتّشبيه به لزيادة التّحقير والإهانة ، ولنهاية التّهكّم والتّوبيخ بالبلادة ؛ إذ الحمار يذكر بها . والبقر وإن كان مشهورا بالبلادة إلّا أنّه لا يلائم الحمل . تعلم يا فتى فالجهل عار * ولا يرضى به إلّا حمار ( 9 : 516 ) ابن عاشور : بعد أن تبيّن أنّه تعالى آتى فضله قوما أمّيّين ، أعقبه بأنّه قد آتى فضله أهل الكتاب ، فلم ينتفع به هؤلاء الّذين قد اقتنعوا من العلم ، بأن يحملوا التّوراة دون فهم ، وهم يحسبون أنّ إدّخار أسفار التّوراة وانتقالها من بيت إلى بيت كاف في التّبجّح بها ، وتحقير من لم تكن التّوراة بأيديهم ، فالمراد : اليهود الّذين قاوموا دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وظاهروا المشركين . وقد ضرب اللّه لهؤلاء مثلا بحال حمار يحمل أسفارا ، لا حظّ له منها إلّا الحمل دون علم ولا فهم . ذلك أنّ علم اليهود بما في التّوراة أدخلوا فيه ما صيّره مخلوطا بأخطاء وضلالات ، ومتّبعا فيه هوى نفوسهم وما لا يعدو نفعهم الدّنيويّ ، ولم يتخلّقوا بما تحتوي عليه من الهدى والدّعاء إلى تزكية النّفس ، وقد كتموا ما في كتبهم من العهد ، باتّباع النّبيّ الّذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضّلال . فهذا وجه ارتباط هذه الآية بالآيات الّتي قبلها ، وبذلك كانت هي كالتّتمّة لما قبلها . وقال في « الكشّاف » عن بعضهم : افتخر اليهود بأنّهم أهل كتاب والعرب لا كتاب لهم ، فأبطل اللّه ذلك بشبههم بالحمار يحمل أسفارا . [ ثمّ ذكر معنى ( حمّلوا ) وقال : ] وهذا التّمثيل مقصود منه تشنيع حالهم ، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف ، ولذلك ذيّل بذمّ حالهم : بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الجمعة : 5 . ( 28 : 191 ) الطّباطبائيّ : ضرب اللّه لهم مثل الحمار يحمل أسفارا ، وهو لا يعرف ما فيها من المعارف والحقائق فلا يبقى له من حملها إلّا التّعب بتحمّل ثقلها . ( 19 : 266 ) مكارم الشّيرازيّ : الحمار الّذي يحمل الأسفار : جاء في بعض الرّوايات أنّ اليهود قالوا : « إذا كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله قد بعث برسالة فإنّ رسالته لا تشملنا » فردّت عليهم الآية مورد البحث في أوّل بيان لها ، بأنّ رسالته قد